بدأ شهر رمضان
بدأ شهر رمضان.. فيه تفتح أبواب الجنة وتصفد الشياطين، وتعتق رقاب من عذاب النار، وأشياء أخرى جميلة سبق كتابتها في مقالات أخرى، لكتاب كثيرين!..
اللافت للنظر في هذا الشهر هو أن قيود الشياطين قوية بالتأكيد، ولن يستطيعوا طبعا دفع رشا (جمع رشوة) للملائكة عليهم السلام ليسيحوا في الأرض كما يحلو لهم!.. وبالتالي من المنتظر أن يسود في هذا الشهر طمأنينة وأن تحدث –إن جازت لي التسمية– فترة هدنة أرضية، فلا شيطان يوسوس، أو يدبر الخطط المحكمة للإيقاع بين بني البشر أو إغراقهم في عبارة أو حرقهم في قطار –لاحظوا أن هذه الحوادث لم تحدث في رمضان!- وبما أن الشياطين مسلسلون –ربما كان هذا هو السر وراء تراجع الأهلي "الشياطين الحمر"- فهذا يعني أننا سنشاهد في هذا الشهر الكريم نسخة من الجزء الأخير من فيلم "أرض النفاق" عندما قام "مسعود أبو السعد-فؤاد المهندس" بإلقاء حبوب الصراحة في نهر النيل، لتصاب البلد بداء النقاء والصدق!..
لكن الغريبة رغم اختفاء الشياطين لم تقل معدلات الفساد والكذب والغش.. بل زادت، مما يؤكد صدق المقولة التي وردت على لسان "إبليس" في مجموعة قصصية للدكتور "مصطفى محمود" تدعى "المسيخ الدجال" حيث قال "إبليس" اللعين لهذا "المسيخ" إن هناك شيطانا عنده انتحر غما من التقدم الذي وصلنا إليه كبشر في (علم الشر)!!
لننتقل مثلا للصفحة الأولى لجريدة الأخبار –وهي جريدة من المفترض أنها تتبع القول المأثور "القطنة مابتكدبش!"- في عددها الصادر بتاريخ 16 سبتمبر 2007 حيث تصدرها مانشيت "بالفونت العريض "حول انتظام الدراسة في المدارس والجامعات و... -استعدوا للمفاجأة– "500 مليون جنيه لوجبات التغذية المدرسية.. ودعم أسعار الكتب الجامعية".. هذا بالإضافة إلى صرف حافز 40 جنيها لكل تلميذ وإعفاء أسر الضمان الاجتماعي من مصروفات المدرسة، كل هذا يا سادة في (مانشيت واحد كامل الدسم!)- اللهم إني صائمة!- إذا حللنا جزءا من المانشيت فسنجد أن الدراسة لم تنتظم فعليا لا في الجامعات ولا في المدارس –اللهم إلا في بعض المدارس انتظم نشاط طلب الجلادات الحمراء والخضراء.. وإلا الطرد!- أنا شخصيا لا أعرف شيئا عن جامعتي حتى هذه اللحظة وأعلم علم اليقين أني لو ذهبت هناك فلن أجد إلا عم "ربيع" "امشي يا بت إنتِ وهي!" وموظفي قطاع الشجون –شجون الطلبة– والجدول معلق بأسماء المواد والأساتذة دون ذكر لمكان المدرج.. أو اسم المادة دون اسم الأستاذ !-ونعم الانتظام طبعا- هذا عن الشق الأول من المانشيت..
أما عن الشق الثاني الخاص بالوجبات الدراسية فدائما الوجبات الدراسية عباره عن "بسكويت" عجيب.. جلدة صنبور المياه ألين منه وأسهل في الهضم!.. وربما وجدت فيه "رملا وزلطا" لتسهيل عملية الهضم.. الأغرب أن مبلغ الـ500 مليون جنيه الخاصة بغذاء جميع أطفال المدارس، ليست خاصة بعام واحد بل –في عين الحسود– لخمس سنوات قادمة! -شياطين الصحافة المقيدون الآن أصيبوا بالجلطة الدماغية!- أما عن دعم الكتب الجامعية فهو.. في الحقيقة أمر جلل وعظيم..
تخيلوا أن طالبا في –كلية التربية مثلا- يدرس في الفصل الدراسي حوالي من 7 إلى 9 مواد.. سعر الكتاب يتراوح من 40 إلى 50 جنيها، بالإضافة للمصروفات التي قفزت هذا العام إلى 105 جنيهات للأقسام الأدبية "مثل اللغة العربية والإنجليزية والفرنسية.." -على أساس أننا ندخل معامل لغات تتعامل مع اللغة بشيء ما يشبه الكوز!- وإلى ما يقارب الـ150 جنيها للأقسام العلمية "كالطبيعة والكيمياء والبيولوجي والرياضيات".. -على أساس أن هؤلاء الغلابة يدخلون المعامل لعمل تجربة شهيرة ألا وهي إلقاء قطعة صوديوم في- H2O ماء يعني- ليحدث بعد ذلك انفجار رهيب! -كل هذا في جامعة إقليمية بالمناسبة!– ومع كل هذا اللغط يا سادة فالدعم على الكتاب الجامعي يبلغ حوالي –استعدوا للإغماءة الكبرى– حوالي.. حوالي.. ستة عشر جنيها –ياااه!– ومن حسن تدبير الجامعة ورأفتها بالطلبة تقرر تقسيم المبلغ على دفعتين.. تيرم أول وتيرم ثان.. ومن يحب تأجيل صرفها يأخذ الـ16 جنيها شاملة الضريبة في التيرم الثاني!- بالذمة ماذا تفعل الشياطين الآن وهي ترى هذا الكذب المنشور في رمضان؟.. بالتأكيد تقدم استقالتها!..
طبعا لست في حاجة إلى إضافة كذب بعض الأساتذة في بداية العام الدراسي –المقترن برمضان- عن سبب ارتفاع سعر الكتاب.. وسأذكر جملة شهيرة قالها لنا أستاذ أحترمه.. في مجلس الشعب الطلابي (عفوا البرلمان الطلابي).. "إنتم فاكرين المعلومات اللي في الكتاب ببلاش؟! احنا بنجيبها من على الإنترنت بفلوس.. الغرب يهدر دم المعلومات التي ليس لها قيمة ويتركها مجانا.. أما المعلومات الحديثة فهي تحتاج إلى (كريديت كارد) ومالا لاستخراجها!".. وطبعا تقف شلة الشياطين الأكاديميين المصفدين في رمضان تشد في شعرها نظرا لأن المعلومات المتداولة في الكتب تم آخر تحديث لها في عهد "أحمس" قاهر الهكسوس!.. يا الله.. كل هذا ومن مانشيت واحد! وفي رمضان!...
إذا انتقلنا إلى الشارع المصري العتيق، فسنجد أن شياطين الشوارع تخطط الآن من وراء القضبان للبحث عن قهوة معاشات مناسبة!.. فكل شيء تقريبا كما هو قبل رمضان.. الشتائم عند أفران الخبز تضاعفت مع إكسسوار بسيط ألا وهو بعد كل سباب يقال الدعاء المشهور "اللهم إني صائم!".. المعاكسات في الشارع تقل في فترة ما قبل الإفطار.. وتشتعل في الظهيرة، لكنها معاكسات لا تخرج عن الإطار التربوي المسموح به في الشهر الفضيل، هناك ترشيد في استهلاك المعاكسات!..
سأضرب مثالا.. كنت في عام مضى أشتري جريدة في آخر أيام الشهر الفضيل، مرت من جوار البائع بنت كانت مستفزة في طريقة مشيتها، وجدت عمو بائع الجرائد يهمس قائلا: "اللهم إني صائم يا جميل!".. يا سلام اثنان في واحد.. "عاكس وخد ثواب!".. الإعلام المصري في رمضان يجعل الإعلاميين ومتخصصي الإعلانات من الشياطين المسجونة تبحث عن سبوبة أخرى!.. تخيلوا إعلانا في رمضان -وغير رمضان- يذاع يشجع على الكذب..! هو إعلان سمنة شهير.. الرجل المضروب على دماغه يسأل "فلاحي.. بلدي؟!" تجيبه الزوجة بالإيجاب وبثقة.. أيوه فلاحي "مع إنها سمنة صفيحة!".. مستفز جدا.. "يعني يا إما أن الراجل مش عارف إن إمكانياته المالية المتواضعة لا تكفي لشراء سمنة بلدي وبيستهبل.. وإما أنه غني ومقتدر ومراته بتغش وتجيب سمنة صفيحة.. وبتشتري بالفلوس حوافر بلاستيك –أظافر أقصد-.. والراجل برضه مغفل!"..
قد أكون مبالغة بعض الشيء، لكن فعلا الإعلان لا يفهم إلا بهذه الطريقة.. كذب وتدليس حتى في الأكل!- كل هذا يحدث والشياطين بعيدون عن أرض الحدث.. مما يؤكد أننا أخيرا وصلنا للتقدم وخطفنا فرص العمل من السوق الشيطاني.. نعم؟.. لا مش مبالغة!. أعرف أن "إبليس" وأعوانه هم بذرة الوسوسة بالشر والخراب.. لكن نحن في رمضان يا عالم!.. والمفروض أننا في رمضان أو غيره نمتلك إرادة إنسانية قوية –أي نعم لن نصبح ملائكة– لأن كما تقول الحكمة الإنجليزية "من لا يخطئ لا يفعل شيئا".. لكن على الأقل ستكون لدينا الشجاعة والقدرة على الاعتراف بأخطائنا ومحاولة تداركها والتعلم منها "كلام خنيق وبايخ ومستهلك كالكلينكس تماما!"...
والآن ماذا سيكون رد فعل الشياطين بعد رمضان؟.. هل سينتحرون جماعيا؟.. أم سيستعدون لدورات تدريبية مجانية؟ طبعا الإجابة غير متوقعة.. وهي أنهم -الشياطين الحمر- سيفوزون بالدوري الممتاز.. رقم (أ) طبعا!